محمد عبد الله دراز

209

دستور الأخلاق في القرآن

و « الشّكل » المختار ؟ إنّ هذا الوسط ليس المادة « موضوع الرّغبة » ، الخاضعة للتجربة ، والمتنوعة بالنسبة لكلّ ، ولا الشّكل الخالي تماما ، ولا مضمون له ، ولكنه مفهوم قابل للتفكير ، موضوع للإدراك ، معروف قبليّا ، ومفروض على كلّ الإرادات ، بفضل تصور قيمته الذاتية . ألسنا بهذا نتحاشى عيوب المنهج الأمبيريقي ، مع تحفظنا الكامل من أن نضيع في المنهج الشّكلي ؟ . والحقّ أننا بسبب نوع من الحاجة المنطقية نفرض بالضرورة على أحكامنا شكلا عاما ، كيما نجيزها من ناحية القوانين الأخلاقية ، فنحن لا نوافق على أن يصبح سلوك ما ملزما لبعض النّاس ، وغير ملزم للآخرين ، الذين يماثلونهم في ظروفهم ، فذلك أمر يثير العقل . ولكن هذا الارتباط الضّروري بين المادة والشّكل لا يصح إلا في اتجاه واحد : « فكل واجب عام ، ولكن العكس ليس صحيحا » ، فمن أجل تأكيد هذه العلاقة بدأ الحكم الأخلاقي بأن لاحظ في السّلوك « قيمة » في ذاتها ، تنزع بمنطقها الدّاخلي إلى أن تنتشر ، وهي قيمة ذات صفة من نوع خاص ، فهي من الممكن أن تفرض ، وهي يسيرة بالنسبة لكلّ الأفراد . وأية طريقة للسلوك لا تستوفي هذا الشّرط المزدوج لا يمكن أن تكون قانونا أخلاقيا . . فلتكن أي شيء ، إلا أن تكون واجبا ، ولكنها ليست بالضرورة جريمة ، لأنّ من الممكن أن تكون عملا اختياريا ( مثل التّبتل ) ، أو عملا يستحق أعلى درجات التّقدير ( مثل : البطولة الخارقة لمن هو فوق البشر ) ، ولهذا لم تكن